ورغم ما نشرته رابطة العالم الإسلامي من تعليق لفتت فيه إلى أن هذا الرأي نشر عدة مرات وتم نقله للمراسلين الأجانب، ونصه أن "على المسلم احترام دساتير وقوانين وثقافة البلدان التي يعيش فيها كما هو عهده عندما دخلها، وعليه المطالبة بخصوصيته كالحجاب وفق المتاح قانونا، فإذا رفض طلبه فعليه الالتزام بقرار الدولة، فإن كان مضطرا بقي وله حالة الضرورة، وإلا فعليه مغادرة البلد واحترام عهده وميثاقه عندما دخلها".. إلا أن البعض -خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي- أثار جدلاً كبيراً وكأن هذه البلاد الغربية بلادنا ونحن أصحابها الأصليون، ويحق لنا ممارسة ما نراه نحن فقط، دون احترام لقوانينها ولطبيعتها التي ارتضى بعضنا الإقامة فيها أو اللجوء إليها، رغم ما فيها من ممارسات لا تعجبنا أو لا تتوافق معنا ومع قيمنا وديننا وتقاليدنا.

من قواعد المنطق، أن لكل دولة سيادتها الخاصة التي يجب عدم التورط في التدخل فيها، أو التقرير نيابة عن أهلها وسكانها في كل ما يخصهم، بمثل ما نحن دولة لها سيادتها ولا تقبل أبداً أي تدخل فيها، وتفرض على كل من يفد إليها للعمل أو الزيارة قواعد بعينها يجب احترامها، والإخلال بها يعرض المخالف للحساب أو العقاب.

مشكلة بعضنا للأسف الشديد، أنهم يريدون أن يقرروا ما يرونه وفق هواهم، أو تمليه توجهاتهم، وهم بذلك يفتئتون على حق الدولة بالأساس، وينصِّبون أنفسهم متحكمين وحاكمين فيما يخص غيرهم، فاتحين الباب بذلك لما لا تُحمد عقباه، إذ يُحللون لأنفسهم التدخل في شأن غيرهم، بينما يحرمون نفس الأمر على الغير، وهذا تناقض وخلل فكري يستحق الوقوف عنده كثيراً، ويتضح في الكثير من التعليقات التي نراها ويوصف أقلها بأنه تدخل فيما لا يخصنا أو لا يعنينا.

مسلمون كُثر في دول غربية، ذهبوا إليها بمحض اختيارهم، أو لظروف معينة، وهذه الدول فتحت حدودها وأبوابها لهم ومنحتهم الجنسية وحقوق العمل وربما المواطنة الكاملة، وقواعد المنطق هنا تفرض عليهم الالتزام بقوانين الدول التي قبلتهم ليعيشوا فيها، ومن لا يعجبه فليغير ذلك من الداخل وبنفس الطرق التقليدية المتبعة هناك، أو يهجرها ويتركها، وهذا ما عناه الرجل الشهم والصادق معالي الدكتور العيسى الذي قال خلال محاضرة أمام نساء متحجبات بالعاصمة النمساوية فيينا: "عندما يقرر بلد بشكل ديمقراطي ألا يسمح بارتداء الحجاب، ينبغي للمرء تقبل ذلك، من يريد البقاء، عليه أن يخلع الحجاب، ومن لا يريد عليه المغادرة، وهذا ما يقوله الإسلام" إنه الاختيار في كل الأحوال، وليس الإجبار أو سلوك طرق مخالفة، ولهذا كانت عبارته الصارمة للحاضرات :"لا تكرهوا البلد، لقد منح المرء العمل والجنسية، وفتحت هذه البلدان حدودها للاجئين المسلمين" رسالة بالتوقف عن التحريض وبث نيران الحقد والكراهية بين الناس أو شعوب البلد الواحد ومقيميه.. بوضوح وإيجاز، ما لا نقبله لأنفسنا لا نرتضيه لغيرنا، وكما نقول أهل مكة أدرى بشعابها، وهم وحدهم أولى بها.

وقفة:

الحراك الفاعل والمتميز الذي يضيفه معالي الدكتور محمد العيسى في إطار مسؤولياته يعد قفزة لكل مسلم.. وهو الحراك الذي تحتاجه بالفعل منظمة العالم الإسلامي في هذا الزمن.

نقلاً عن صحيفة الرياض