29 ذو الحجة 1438 هـ - 20 / 09 / 2017 م
الاخبار
زلزال بقوة 7.1 درجات يضرب المكسيك    ||     بريطانيا تعلق تدريبها العسكري للجيش الميانماري    ||     التدخين يقصف أعمار مرضى الإيدز أكثر من الفيروس نفسه    ||     الجيش اليمني يحرر عدة مواقع في جبهة حرض    ||     الأمم المتحدة تحشد الدعم الخارجي لخطة سلام جديدة في ليبيا    ||     خبراء يحذرون من ارتفاع مستويات التضخم في الجزائر    ||     زلزال قوي يضرب قبالة نيوزيلندا    ||     خادم الحرمين يوجه بـتخصيص 15 مليون دولار لمهجري الروهينجا    ||     مسافة قياسية لحافلة تقطع 1800 كيلومتر من دون "شحن"    ||     الصندوق السعودي للتنمية يمول 609 مشروعات وبرامج تنموية في 82 دولة نامية بقيمة تجاوزت 51 مليار ريال    ||     ميليشيا الحوثي والمخلوع صالح يجندان 630 طفلا يمنيا كمقاتلين     ||     تيلرسون يبحث مع سو تشي انتهاكات حقوق الروهينغا في ميانمار    ||     المجلس الإسلامي البحريني يشيد بالإدارة السعودية للحج     ||     حكومة الهند تؤكد ترحيل أقلية الروهينغا المسلمين    ||     تعابير مسيئة للمسلمين في مدينة أوليانز الفرنسية    ||     وزير يمني: برنامج الغذاء العالمي يستهدف 19 محافظة في اليمن    ||     الأمم المتحدة: وصول 182 ألف لاجئ من جنوب السودان إلى السودان في 2017    ||     الاحتلال يعيق حركة المواطنين الفلسطينيين بالأغوار الشمالية    ||     السيسي: مصر تخوض حرباً ضد الإرهاب والتطرف    ||     مخطط استيطاني اسرائيلي جديد لاقامة "القدس الكبرى"
اقسام المقالات أخبار الرابطة حرية الكسب والانفاق وتوافقها مع النظام الإسلامي..

حرية الكسب والانفاق وتوافقها مع النظام الإسلامي

1438/9/11 الموافق: 2017/06/06 | 1982 4 0


د. محمد تاج عبدالرحمن العروسي

تعتبر  كلمة " الحرية " من أكثر المصطلحات التي شغلت الكثيرين من رجال الفلسفة، والمؤرخين، ورجال الفكر الإسلامي، والفقهاء والمحدثين، فبذلوا جهودا كبيرة في بيان مفهومها، ومرتكزاتها، وكتبت حولها مؤلفات قديما وحديثا تناولت مفهوم " الحرية الفردية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والفكرية، والدينية،والعلاقة بينها وبين المسؤولية" .

ومع هذه الجهود التي بذلها العلماء على مر التاريخ إلا أن هناك مشكلات تواجه المجتمعات على اختلاف مذاهبتها، ومشاربها في تطبيقها على أرض الواقع ، بسبب تباين مفاهيم الناس حولها لدرجة أنها خرجت عن المعنى الكلي للمصطلح، فأصبحت شعارا للحركات الثورية، والأحزاب السياسية، والدول المختلفة، وتأثرت المجتمعات الإسلامية بدرجات متفاوتة  بهذا الفكر الذي يؤمن بالحرية المطلقة التي كان ينادي بها الفلاسفة  قديما وحديثا، ومن نهج نهجهم من الرأسماليين والشيوعيين منذ القرون الوسطى الذي بدأت  فيه الثورات التي  تنادي بفكرة الحرية المطلقة في كل شيء .

 أما موقف الإسلام عن الحريات فهو يعتبرها حقا من حقوق الإنسان، ومقصدا من مقاصد الشريعة، لأنها تعني التحرر من العبودية لغير الله ، والالتزام بمنهج الله في جميع مجالات الحرية، فله حق ممارسة الحرية  الفكرية، والسياسية والاقتصادية ، والتعليمية والعقدية في إطار الضوابط والقواعد التي وضعها الاسلام كشرط أساس لممارستها؛ فالله سبحانه وتعالى هو الذي له الحرية المطلقة، والعدالة المطلقة، وهو خالق العباد والعالم بأحوالهم، وما يناسبهم، وما يحتاجون إليه، وما ينفعهم وما يضرهم، وهو الذي وهبها لهم، وفطرهم عليها .

ولبيان مفهوم الحرية في الإسلام رأيت أن أتحدث عن مفهوم الحرية في الإسلام في مجال الكسب والانتفاع، وهو من الموضوعات شغلت العلماء قديما وحديثا، وتحدث عنها الفقهاء في باب واسع يسمى المعاملات، والبيوع، وكسب الحلال والحرام، والتنمية الاقتصادية، والتملك والانتفاع، وكلها تدور حول بيان موقف الشريعة فيما يجوز للإنسان أن يمتلكه، وطرق الانتفاع الحلال فيما ملكه.

وقد حملني على ذلك ما نلاحظه في واقعنا المعاصر من تأثر الشرائح الكبيرة في المجتمع الإسلامي بالقوانين الوضعية التي تعطي للإنسان الحرية المطلقة في الكسب والانتفاع، والتمرد على القوانين الشرعية، مثلهم في ذلك مثل الأوروبيين الذين  تمردوا في العصور الوسطى  على سادتهم، وطالبوا بأسقاط وصايا الكنيسة، وامتيازات النبلاء، وأمراء الإقطاع، وإرساء قواعد الحضارة الجديدة .

 وكانت النتيجة صدور نظام حقوق الإنسان في نهاية القرن الثامن عشر،وأخذت به الثورة الفرنسية، ثم المذهب الفردي الحر" الليبرالي" الذي يرى أنصاره أنه يكفل الحرية الفردية في المجالات التالية: ( الحرية السياسية، والحرية الفكرية، والحرية الشخصية، والحرية الاقتصادية )، وقد أعلن عن هذه الحريات الأربعة في وقت واحد باعتبار أن الحريات الإنسانية وحدة لا تتجزأ، فلا ضمان لحرية الإنسان السياسية، والاجتماعية إذا فقدت حريته الفكرية والشخصية، والاقتصادية، وتعتبر الحرية الاقتصادية المحور الذي تدور حوله الحرية السياسية، فمن يستطيع التحكم في الثروة المالية والموارد الطبيعية تكون لديه القدرة في توجيه دفة السياسة والتخطيط للمستقبل على النحو الذي يريده، معتمدا في ذلك إلى فلسفة المذهب الفردي التي تنظر إلى الفرد على أنه محور الوجود، وأن لكل فرد استغلال ملكيته حسبما تملي عليه إرادته، وبمختلف الوسائل والأساليب التي يتمكن منها، فباسم الحرية الاقتصادية تحكم بعض المنتجين في مورد أو آخر من الموارد الاقتصادية، وباسم الحرية الاقتصادية احتفظ بعض المنتجين لنفسه بالأسرار الصناعية، وباسم الحرية انضم بعض المنتجين إلى بعض وكونوا مؤسسات ضخمة تجنبهم مخاطر المنافسة، وتوجيه عوامل الإنتاج الوجهة التي يريدونها . وباسم الحرية يقوم بعض المنتجين بتحديد الإنتاج حتى يقل المعروض منها، فيرتفع سعرها ويحقق بالتالي أكبر قدر من الربح.

وهذا ما يتنافى تماما مع مفهوم الإسلام في حرية التملك والانتفاع أي " الحرية الاقتصادية " التي تعني تصرف الإنسان في ماله دون أن يكون هناك ضرر له أو لغيره عملاً بقاعدة" لاضرر ولاضرار " فإذا حصل أحد هذين الضررين فلا بد من تدخل الدولة لجعل حد لهذا الضرر، فالحرية إذاً مقيدة ومحدودة بأن لا يتجاوز الفرد على حرية الآخرين، أو يضر بالمصلحة العامة، أو أن لا تعود الحرية عليه بالأضرار. "  خصائص الاقتصاد الإسلامي . د. بابللي ص103 ".

   أما الحكمة لعـدم إباحة الإسلام الحرية المطلقة وتقييدها بالشروط والضوابط، أن هذه القيود هي تحقق العدل والمساواة بين الناس ، وتَحُـدُّ من غـرائز الإنسان وشهواته، ومـا طبع عليه مـن حبه للمال حبا جما، وهو مطلب شرعي، بل ضرورة من الضرورات الشرعية التي جاءت للحفاظ على الضروريات الخمسة، أو الستة.

فلو أطلق له العنان للناس كما هو الحال لدى النظم الوضعية لخرج كثير من الناس عن حد الاعتدال؛ لمِاَ في طبيعته من التناقض الذي خلقه الله عليه لحكمة اقتضاها عمران الأرض، واستمرار الحياة، وَلِماَ جُبِلَ عليه من الشغف بكسب المال والحب الكثير لجمعه وذلك مصداقُ قَـولِهِ تعالى :"وإنـه لحب الخير لشديد" وقـوله تعالى " وتحبون المال حبا جما " وقولـه تعالى : " وكان الإنسان قتورا " ، وقـول الـرسول صلى الله عليه وسلم: ( يَكْبُرُ ابْنُ آدم ويكبرُ معهُ اثنانِ، حُبُّ المالِ وطُوْلُ الْعُمْرِ ) وفي روايـة (  قلب الشيخ شاب على حب اثنين، طول الحياة، وحب المال ). "صحيح  البخاري  رقم الحديث 5942، ومسلم رقم الحديث 1745."

كما أن الإنسان بفطرتهِ جُبِلَ على حب الخلود إن لم يكن بنفسهِ فَبِذُرِّيتِهِ مِنْ بَعدِه، وحُبِّ الاسْتِعْلاَءِ والسيطرة على الآخرين، فهذه الطبائع لو تركت وحدها من شأنها أن تدفع الإنسان إلى تجاوز الحد وجحد حقوق  الآخرين، وأخذ ماليس بحقه، وعدم أداء حقوق الغير، ولأنه لوترك حرا لرغباته وحدها فإنه يكسب المال من غير حله وينفقه في غير محله.

 وهذا ما نراه في هذا العصر على مستوى الدول والشعوب التي تبنت المنهج الوضعي فتجد من يكسب ثروة ضخمة دون أن يبذل جهدا ملائما لها عن طريق الخيانة والنهب العلني، والسرقة المكشوفة أو النهب المنظم، أو طريق استخدام السلطة، أو العقود المموهة بطلاء الشرعية الزائف، وما أكثر هذا النوع الآن حيث وصل الأمر عند البعض إلى إباحة فوائد الربا.وهناك من يكسب المال من أوجه الحلال ولكنه يصرف ثروته في البذخ والترف، والمتاع الرخيص، وفي مجال الفخر والخيلاء والمكابرة يبعثرها ذات اليمين وذات الشمال.

وهناك صنف ثالث يحصل على المال بطرق شرعية ولكنه يظن أن هذا ماله الخاص، وليس لأحد فيه نصيب؛لأنه جمعه على حد زعمه بذكائه وعلمه وفكره، ويقول كما قال قارون : " إنما أوتيته على علم عندي " فتكون النتيجة أنه لا يشفق على المساكين والمرضى والضعفاء، وإذا طلب منه الإنفاق في أوجه الخير، وإخراج الزكاة ومساعدة المحتاجين والفقراء يرفض ذلك معللا بما حكاه الله تعالى عن هذا الصنف : " أنطعم من لويشاء الله أطعمه " وينطبق عليه قوله تعالى : " كلا بل لاتكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين، وتأكلون التراث أكلا لمـاًّ وتحبون المال حبا جما". فمن هنا أمر الله تعالى عباده في عدد من الآيات بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى .

الوسوم:

|| اشترك معنا
البريد الالكنروني:
|| اعلانات